الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
106
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والاستطاعة القدرة : أي لسنا مستطيعين الخروج ، وهذا اعتذار منهم وتأكيد لاعتذارهم . وجملة لَخَرَجْنا مَعَكُمْ جواب لَوْ . والخروج الانتقال من المقرّ إلى مكان آخر قريب أو بعيد ويعدّى إلى المكان المقصود ب ( إلى ) ، وإلى المكان المتروك ب ( من ) ، وشاع إطلاق الخروج على السفر للغزو . وتقييده بالمعية إشعار بأنّ أمر الغزو لا يهمّهم ابتداء ، وأنّهم إنّما يخرجون لو خرجوا إجابة لاستنفار النبي صلى اللّه عليه وسلم : خروج الناصر لغيره ، تقول العرب : خرج بنو فلان وخرج معهم بنو فلان ، إذا كانوا قاصدين نصرهم . وجملة يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ حال ، أي يحلفون مهلكين أنفسهم ، أي موقعينها في الهلك . والهلك : الفناء والموت ، ويطلق على الأضرار الجسيمة وهو المناسب هنا ، أي يتسبّبون في ضرّ أنفسهم بالأيمان الكاذبة ، وهو ضرّ الدنيا وعذاب الآخرة . وفي هذه الآية دلالة على أنّ تعمد اليمين الفاجرة يفضي إلى الهلاك ، ويؤيّده ما رواه البخاري في كتاب الديات من خبر الهذليين الذين حلفوا أيمان القسامة في زمن عمر ، وتعمّدوا الكذب ، فأصابهم مطر فدخلوا غارا في جبل فانهجم عليهم الغار فماتوا جميعا . وجملة وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ حال ، أي هم يفعلون ذلك في حال عدم جدواه عليهم ، لأنّ اللّه يعلم كذبهم ، أي ويطلع رسوله على كذبهم ، فما جنوا من الحلف إلّا هلاك أنفسهم . وجملة إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ سدّت مسدّ مفعولي يَعْلَمُ . [ 43 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 43 ] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ( 43 ) استأذن فريق من المنافقين النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أن يتخلّفوا عن الغزوة ، منهم عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، والجدّ بن قيس ، ورفاعة بن التابوت ، وكانوا تسعة وثلاثين واعتذروا بأعذار كاذبة وأذن النبي صلى اللّه عليه وسلم لمن استأذنه حملا للناس على الصدق ، إذ كان ظاهر حالهم الإيمان ، وعلما بأنّ المعتذرين إذا ألجئوا إلى الخروج لا يغنون شيئا ، كما قال تعالى : لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا [ التوبة : 47 ] فعاتب اللّه نبيئه صلى اللّه عليه وسلم في أن أذن لهم ،